التخطي إلى المحتوى
كيف يقود تدخين السجائر إلى اختلال التوازن البكتيري في الفم؟

يستعمر فم الإنسان جيشٌ مؤلفٌ مما يزيد على 600 نوع من البكتيريا، وهو التجمع البكتيري الأكثر تعقيدًا في جسم الإنسان بعد القولون، وعلى الرغم من أنه يؤدي وظائف نافعة، فإن حدوث ما يُعرف باضطراب الجراثيم الفموية يرتبط بالتهاب اللثة وتسوُّس الأسنان، علاوةً على الإصابة بأمراض الرئة والجهاز الهضمي والجهاز القلبي الوعائي.

وقد ثبت أن تدخين السجائر أحد مسببات خسارة أنواع البكتيريا المفيدة في الفم واستعمار مسببات الأمراض له، إلا أنه من غير المعروف هل يعود هذا الضرر بالأساس إلى سموم معينة ضمن مكونات دخان السجائر، أم أنه يحدث عبر استعمار أنواع معينة من البكتيريا للفم نتيجة التدخين؟ باحثات مصريات من جامعتي القاهرة وأكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، أجروا دراسةً لمعرفة تأثير دخان السجائر على أعداد ثلاثة أنواع من البكتيريا الموجودة بالفم ووظائفها، ونشروا نتائجها في العدد الأخير من دورية فرونتيرز إن ميكروبيولوجي (Frontiers in Microbiology) العلمية.

قيّم الفريق آثار اختلال التوازن البكتيري في الفم (Dysbiosis) المرتبط بتدخين السجائر، على انتشار 3 أنواع من بكتيريا الفم، وهي (Streptococcus mutans، Veillonella spp، Lactobacillus spp)، التي تمثل 33% من إجمالي الميكروبات الفموية، عبر دراسة تأثير مادة الأنثراسين (Anthracene) على بكتيريا الفم المختارة، وإمكانية تحلُّلها وقابليتها للحياة، سواء في البيئات الفردية أو المختلطة.

و”الأنثراسين” عبارة عن هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي من المواد السامة في دخان السجائر، والتي تُصنّف من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان على أنها مسرطن محتمل لتجويف الفم والبلعوم، ويحتوي التبغ على أكثر من 7000 مادة كيميائية، وفقًا للدراسة.

فهم اختلال التوازن البكتيري في الفم

تقول نورتان عبد التواب، أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة المساعد بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة، إحدى المشاركات بالدراسة: إن نتائج البحث تُعد لبنةً أساسيةً نحو فهم اختلال التوازن البكتيري في الفم نتيجة تدخين السجائر، لإيجاد فهم أفضل للآثار الضارة للتدخين على صحة المدخن.

وأضافت -في حديث لـ”للعلم”- أن الدراسة كشفت أن ضرر تدخين السجائر المرتبط باختلال التوازن البكتيري في الفم لم يقتصر على التغيرات في تعداد البكتيريا الفموية، ولكنه امتد إلى التحلل البيولوجي للأنثراسين.

التوازن البكتيري في الفم له عدة أدوار في الحفاظ على صحة الإنسان، أبرزها -وفقًا لـ”عبد التواب”- أنه يحافظ على معدلات الحمضية والقلوية في لعاب الفم، للوقاية من أمراض الفم والأسنان، كما أن الفم هو البوابة الرئيسية للمعدة، وإذا حدث أي خلل في التوازن البكتيري للفم، فإنه يؤثر على عملية الهضم التي تبدأ من الأسنان عبر إنزيمات معينة تُفرز في الفم، كما أن هناك بكتيريا معينة يمكن أن تلتصق بالأسنان وتؤدي إلى تسوسها، وهي بكتيريا (Streptococcus mutans) التي أثبتت الدراسة أنها كانت منتشرةً بصورة أكبر لدى المدخنين مقارنةً بغير المدخنين.

وعن الاختلافات بين الدراسات السابقة ونتائج الدراسة الجديدة، أوضحت “عبد التواب” أن الأبحاث السابقة التي أُجريت في هذه الجزئية اقتصرت على الملاحظة، عبر دراسة المادة الوراثية المستخرجة مباشرةً من العينات البيئية (Metagenomics) المأخوذة من عينات من غسول الفم لمدخنين وغير مدخنين، باستخدام تقنيات التسلسل المتوازي على نطاق واسع للحمض النووي (NGS) لقياس الاختلافات الموجودة في بكتيريا الفم بشكل عام وليس على بكتيريا بعينها، وهي وسائل لا تعطي صورةً مفصلةً عن ميكانيكية هذه التغيرات.

لكن في المقابل، وفقًا لـ”عبد التواب”، فإن دراستهم من أوائل الأبحاث التي ترصد التأثيرات بصورة ميكانيكية، عبر عزل أنواع البكتيريا الـ3 المختارة المأخوذة من مدخنين وغير مدخنين، وزراعتها وتنميتها في البيئات المناسبة لها في المعمل، وهذا من الصعوبة بمكان؛ لأن بكتيريا الفم من أنواع البكتيريا اللاهوائية “الكارهة للأكسجين”، التي يصعب إيجاد بيئة مناسبة لنموها، وهو ما تمكن الفريق من تحقيقه.

يجدر بالذكر أن هذه الدراسة هي رسالة ماجستير للباحثة همس موسى، من كلية الصيدلة بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، أشرفت عليها “عبد التواب”، بالتعاون مع الأستاذة الدكتورة سلوى مجاهد والدكتورة ريهام وصفي، من قسم الميكروبيولوجي والمناعة بكلية الصيدلة بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب.

خطوات البحث

أجرى الفريق دراسته على 16 مُدخنًا (يستهلكون من 6 سجائر إلى 60 سيجارة يوميًّا، وكان متوسط سنوات التدخين من عام واحد إلى 15 عامًا)، بالإضافة إلى 14 من غير المدخنين، وكانت أعمار المدخنين من 21 إلى 40 عامًا، وغير المدخنين من 25 إلى 30 عامًا.

طُلب من المشاركين في الدراسة استكمال استبانة حول حالة التدخين ومدته وعدد السجائر التي يتم استهلاكها يوميًّا، في حين استبعد المشاركون الذين تناولوا مضادات حيوية أو عقاقير ستيرويدية خلال أقل من أسبوعين قبل المشاركة في الدراسة، بالإضافة إلى مَن لديهم علامات سريرية لأمراض اللثة، وأمراض مزمنة، ومَن يُدخنون السجائر الإلكترونية و”النرجيلة” أو أنواع أخرى من التبغ غير السجائر، بالإضافة إلى مَن توقفوا عن التدخين، لينتهي الفريق إلى مشاركة 12 مدخنًا و11 من غير المدخنين ممن تنطبق عليهم الشروط.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، أخذ الفريق عينات من الفم من المدخنين وغير المدخنين، إذ طُلب من كل مشارك الامتناع عن الأكل والشرب لمدة ساعة واحدة قبل جمع العينة، وشطف الفم لمدة 60 ثانية بمحلول ملحي معقم 10 مل، وهذه العينات تم نقلها على الفور إلى المعمل لعزل البكتيريا منها.

وعزل الفريق الـ3 أنواع من البكتيريا المختارة، وقاموا بفصلها وتنميتها في البيئات المناسبة لها في المعمل، لتحديد تأثير الأنثراسين على إمكانية تحلُّل هذه البكتيريا وقابليتها للحياة، سواء في البيئة الفردية أو المختلطة، بالإضافة إلى رصد نِسب البكتيريا الموجودة لدى المدخنين ومقارنتها بغير المدخنين.

وأثبتت النتائج أن تدخين السجائر يقود إلى اختلال التوازن في أعداد بكتيريا الفم، إذ كانت بكتيريا (Streptococcus mutans) وهي المساهم الرئيسي في التسوس وتفكيك مينا الأسنان، منتشرةً بصورة أكبر لدى المدخنين مقارنةً بغير المدخنين، كما أن بكتيريا (Lactobacillus fermentum) التي تترافق مع آفات تسوس الأسنان النشطة، كانت سائدة أيضًا لدى المدخنين، ومثّلت 91.67٪ من مجموع بكتيريا (Lactobacillus spp) المعزولة من المدخنين.

وعن خطواتهم المستقبلية، قالت “عبد التواب”: إن الفريق سيواصل العمل على رصد التحلل البيولوجي للأنثراسين وتحليل مساراته للعديد من البكتيريا المعزولة من مدخنين وغير مدخنين.

تأثير التدخين على الصحة العامة

من جانبه، رأى سامح حمدي -أستاذ الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية وعميد كلية الصيدلة بجامعة حلوان في مصر- أن الدراسة خرجت بنتائج مهمة، تتعلق بدراسة تأثير التدخين على الميكروبات الموجودة على الفم، وتأثير ذلك على الصحة بشكل عام.

وأضاف لـ”للعلم”، أن المميز في الدراسة أنها لم ترصد تأثير تدخين السجائر بشكل عام على تعداد بكتيريا بعينها في الفم، ولكن درست أيضًا تأثير مادة الأنثراسين المسرطنة الموجودة في دخان السجائر على وجود البكتيريا في الفم وتنوُّعها.

واعتبر أن ما يميزها أيضًا أنها أُجريت بالكامل بجهود بحثية مصرية، دون مشاركة باحثين أجانب، ورغم محدودية الأعداد المشاركة فيها، إلا أنها تفتح مجالًا بحثيًّا أوسع لإجراء دراسات على أعداد أكبر من البشر، للبحث في تأثير التدخين على الصحة العامة، عن طريق رصد تأثيره على نشاط البكتيريا الموجودة بصورة طبيعية على الفم وأعدادها ونوعيتها، لإيجاد تفسيرات علمية لظواهر يتم رصدها بشكل شائع لدى معظم المدخنين، ومنها اصفرار الأسنان واسودادها، وتكسير الأسنان وسقوطها.

وأشار “حمدي” إلى أن هذه الدراسة تنتمي إلى علم كبير يُطلق عليه “الميكروبيوم”، ويُعنَى بدراسة مجموع الميكروبات المتعايشة مع الإنسان، والتي تساعده على التخلص من المواد السامة في الجسم، بالإضافة إلى دورها المناعي، وأن حدوث أي خلل في تعداد هذه الميكروبات وتنوعها نتيجة عادات صحية سيئة كالتدخين، فإن هذا الخلل سينتقل بالتبعية إلى جسم الإنسان، الذي يفقد الدور المهم لهذه الميكروبات في صحة الإنسان.

ونوه بأن دراسة تأثير “الميكروبيوم” على الصحة من الأمور المهمة جدًّا لرصد الاختلافات التي تحدث في هذا المجتمع، وأنها تُعد مدخلًا لتحديد اتجاهات ووضع تفسيرات لحدوث الإصابة بكثير من الأمراض التي تصيب الإنسان ومنها السرطان، لذلك نحن بحاجة ماسة إلى تكثيف الدراسة في هذا المجال، ورصد تأثير عاداتنا الغذائية -على سبيل المثال- على البكتيريا الموجودة في أجسامنا، سواء في الفم أو الأمعاء أو المعدة، وأثر ذلك بشكل عام على الصحة.

ووافقه الرأي خالد أبو شنب، أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة بكلية الصيدلة بجامعة عين شمس، مؤكدًا أن البحث ركّز بشكل أساسي على البكتيريا المتعايشة في الفم، ومدى اختلافها لدى المدخنين عنها لدى غير المدخنين.

وأضاف لـ”للعلم” أن الدراسة نجحت في إثبات الاختلاف في عدد بكتيريا الفم ونوعيتها لدى مدخني السجائر عنها لدى غير المدخنين للسجائر من ناحية، وقدرة البكتيريا على تكسير مادة “الأنثراسين” التي توجد في الفم نتيجة التدخين من ناحية أخرى، مشيرًا إلى أن تكسير هذه المادة يمكن أن ينتج عنه بعض المركبات التي قد تكون لها نتائج سلبية على نسبة حدوث سرطان الفم لدى المدخنين.

وأوضح أن الدراسة أثبتت أيضًا أن هناك فرقًا جوهريًّا يُحدثه التدخين في نوعية البكتيريا المتعايشة في الفم وتوزيعها وعددها، وأن البكتيريا اللاهوائية “الستريبتوكوكس” (Streptococcus) -المتورطة في مشكلات صحية تصيب الفم كتسوس الأسنان- موجودة بنسبة عالية لدى المدخنين، وهذا يمكن أن ينتج عنه بعض المضاعفات الصحية، أو حدوث أنواع من السرطان في الفم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *