التخطي إلى المحتوى
هل يستحق البُخاري كل هذه الضَّجَة
ما الذي يتميز به البخاري

هل يستحق البُخاري كل هذا التمجيد والثناء؟، ماذا صنع البُخاري لينال كل هذا المدح؟، ولماذا يدافعون عن البُخاري؟، ولماذا لا يقبلون الطعن في علمه ولا النقد لشخصه؟، ما الذي قدمه البُخاري؟، أليس هنالك عُلماء كُثُر غيره؟، ما الذي امتاز به البُخاري عنهم؟، لماذا كل هذه الضجة حول البُخاري، تعال نتعرف على إجابة هذه الأسئلة، ولتمام الفائد راجع هذا المقال: هنا.

رحلة البخاري في خدمة السنة.

انتشر في عصر البخاري الكذب والتدليس في الأحاديث وإدخال ما ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه، فنشط علماء الحديث في تنقية حديث النبي صلى الله عليه وسلم وخدمته وضبط الروايات أمثال الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، فقد كان عصر البخاري زاخرًا بكبار أئمة علم الحديث، وذات يوم سمع البخاري وهو في سنٍّ صغيرة شيخه أمير المؤمنين في الحديث (إسحاق بن راهويه) يقول يومًا: (لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّة رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم)، يقول البخاري: (فوقع ذلك في قلبي فأخذتُ في جمع الجامع الصَّحيح) يعني: صحيح البخاري.

ارتحال البخاري بين الأمصار.

لما بلغ السادسة عشرة من عمره خرج من بخارى إلى مكة حاجًّا مع والدته وأخيه، ثم رجعت أمه وأخيه وبقي البخاري لطلب الحديث والأخذ عن الشيوخ.

ثم تابع الارتحال والسفر إلى نيسابور، وبغداد، والبصرة، والكوفة، ومصر، والشام، وغيرها من البلدان، ليسمع من الشيوخ، حتى سمع وكتب عن ألفٍ وثمانين رجُلًا، وقد أُلِّف في شيوخ البخاري كتب.

واستمر في هذه الرحلة يعمل بجد ويعتني أشد عناية ويبذل الجهد والمال ومهجة العمرـ وينقطع عن ملاذ الحياة، وهذا كله ليُعد العُدة لتصنيف جامعه: صحيح البخاري.

صفات البخاري

كان البخاري ضعيف البنيان وكان نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير”. وكان قليل الأكل جدًا، يتزهد فيه ويتقشف مكتفيًا بالخبز، معرضًا عن الإدام (كل ما يُوضع الخبز فيه عند الأكل) حتى مرض من كثرة تقشفه، يقول البخاري: “لم أئتدم منذ أربعين سنة“.

وكان عفيفًا، يتعفف عن أموال الناس، وكان نبيل الشعور، عفيف اللسان، يقول: “ما اغتبتُ أحد قط منذ علمت أن الغيبة حرام“.

وكان ينفق على طلبة العلم ويكفيهم المؤونة، فقد كان كريمًا محسنًا، يقول: “كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقها في الطلب وما عند الله خير وأبقى“.

وكان متعبدًا زاهدًا قانتًا، نهاره في الدرس والتعليم، وليله في العبادة والصلاة.

وكان بعيدًا عن مخالطة الأمراء ومجالستهم، ذات مرة منعه رجل خمسةً وعشرين ألفًا، فحثَّه أصحابه أنْ يُلاحقه عند السلطان، فقال: “إن أخذتُ منهم كتابًا طمِعوا، ولن أبيع ديني بدنياي“.

وكان ذو فراسة وبصيرة وذكاء، يقول الذهبي عن البخاري: “كان رأسًا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة“.

ويقول الإمام قتيبة بن سعيد: “جالستُ الفقهاء والزهاد والعبَّاد، فما رأيتُ منذ عقلتُ مثل محمد بن إسماعيل البخاري، وهو في زمانه كعمر في الصحابة“.

مكانة البخاري

ذاع صيت البخاري في الأمصار البلدان، فكان كلما حلَّ أرضًا يزدحم النَّاسُ حوله ازدحامًا يفوق الوصف، ليتطلعوا إلى رؤيته لِـما سمعوه عنه من علمه وأخلاقه.

ولايزال للبخاري (رحمه الله) في قلوب المسلمين حتى عصرنا هذا وإلى قيام السَّاعةِ (إن شاء الله) له مكانة، وله ذِكر لا نظير له، ولا عجب من ذلك؛ فهو علَم الإسلام الذي خدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأفنى في ذلك حياته، وهو صاحب أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى- وهذا الذِكْر والمكانة في قلوب كل المسلمين باستثناء الجُهّال والـمُغْرضين.

أقوال العلماء في البخاري وثناؤهم عليه:

قال مشايخ البصرة عن البخاري: “كان لا يتقدمه أحدٌ“.

لما دخل البصرة قال محمد بن بشار: “دخل اليوم سيد الفقهاء“.

وكان ابن صاعدٍ إذا ذكر البخاري قال عنه: “الكبش النّطاح“.

قال محمود بن النضر الشافعي: “دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم“.

قال عمرو بن عليّ الفلّاس: “حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث“.

قال محمد بن سلَّام البيكَنْدِيُّ للبخاري وهو شاب صغير: “انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه“، فقال له أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: “هذا الذي ليس مثله“.

قال قتيبة بن سعيد: “لو كان محمد بن إسماعيل البخاري في الصحابة، لكان آية“.

قال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّرامي: “قد رأيتُ العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت منهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري، هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبًا“.

قال عبد الله بن سعيد بن جعفر: “سمعت العلماء بمصر يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل البخاري في المعرفة والصلاح، ثم قال عبد الله: وأنا أقول قولهم“.

قال الإمام أحمد بن حنبل: “لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل“.

كلام عجيب في البخاري

قال الإمام مسلم بن الحجاج (صاحب صحيح مسلم): “أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك” وجاء إليه يومًا فقبله بين عينيه، وقال: “دعني حتى أُقبل رجليك يا (أستاذ الأستاذين) و (سيد المحدثين) ويا (طبيب الحديث في علله)“.

قال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي: “لم أرَ أعلم بالعلل والأسانيد من محمد بن إسماعيل البخاري“.

وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: “ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري“.

هل تعلم أيها القارئ الكريم أن ما ذُكر من ثناء العلماء الكبار والأئمة الأعلام في شأن البخاري وفي شأن كتابه الصحيح يحتاج إلى مُصَنَّف كبير؛ والعجب كل العجب أن يأتي أغمار لا يعرف الواحد منهم كُوعَه من بُوعِه من كُرْسوعِه، ويتكلم في البخاري، يأتي من يأكل مِلء بطنه ويضحك مِلء فيه وينام مِلء عينه ليتكلم فيمن حرم نفسه النوم والطعام، وحرم شبابه اللهو واللعب، ليتفرَّغ لخدمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ابتلاء البخاري في حياته

ذكر الإمام البخاري في وصيته أمورًا يُبتلي بها العلماء والمحدِّثون، وهي:

شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء“. وكأنه كان يتحدث عن نفسه، وعما ابتُلي به من الكائدين والحاسدين.

فقد لقي في نيسابور من الحُسَّاد والمغرضين الكثير من الأذى، فبسبب ظهوره وتألقه، والتفاف الناس حوله، سعى هؤلاء بالوشاية بينه وبين أمير نيسابور، حتى وجد عليه أمير نيسابور، حتى خرج البخاري منها إلى بخارى.

وبالرُغم من حفاوة استقباله في بخارى، إلا أنه وقعت بينه وبين أمير بخارى جفوة، بسبب أن الأمير بعث إلى البخاري “أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ لأسمع“.

فقال البخاري لرسول الأمير: “قل له إنني لا أُذِلّ العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضُرني في مسجدي أو في داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم“.

فاغتاظ أمير بخارى من البخاري فأغرى به جماعة فهيَّجوا الناس والعلماء عليه وتكلموا في مذهبه فأمر الأمير بنفيه عن بلده، فخرج من بخارى.

فسبحان الله، كيف أراد أن يُعز سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا على حساب تعبه ونصبه، وما كان يُضيره أن ينعم بالقرب من الأمراء والاغداق عليه وتنصيبه أعلى المناصب، فسبحانك يا خالق البخاري.

وفاة البخاري

بعد أن خرج من بخارى قصد “خَرْتَنْك” وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، وهي قرية كانت على فرسخين من سمرقند، يقول عبد القدوس بن عبد الجبار: سمعت البخاري ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: “اللهم قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك” قال: “فما تم الشهر حتى قبضه الله“.

وبعد أن أقام أيامًا مَرِض، حتى جاءه رسول من أهل سمرقند، يدعونه الخروج إليهم، فأجاب الدعوة وتهيأ للركوب ولبس خُفَّيه، ولما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها قال: “أرسلوني فقد ضعفت“، ثم اضطجع وفاضت روحه إلى بارئها، ثم سال منه عرق كثير، وكان قد أوصاهم أن يكفنوه في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة؛ فلما وضعوه في القبر فاحت من تربة قبره رائحة طيبة كالمسك دامت أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه.

وكانت وفاة البخاري يوم السبت في ليلة عيد الفطر، سنة (256 هـ).

فرحم الله البخاري، هذا الجبل الأشم، خادم السنة، ناشر هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وجزاه الله عنا وعن الإسلام خيرًا.

وسنتعرض في المقال القادم إلى كتابه الصحيح، لنقف على مكانته ونفهم كيف هو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل.

التعليقات

اترك تعليقك