التخطي إلى المحتوى
هل صحيح البخاري أصحُّ كتاب بعد كتاب الله

ما أهمية وما قيمة صحيح البخاري؟، هل يستحق صحيح البخاري أن نقول هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله؟، هل كل ما في صحيح البخاري صحيح؟، كيف جمع وكيف كتب البخاري صحيح البخاري؟، هل يستحق صحيح البخاري كل هذا الاحترام والتوقير؟، لماذا الحرب هجومًا ودفاعًا عن صحيح البخاري؟، تعرَّف على الأجوبة في هذا المقال المُمتع!

اسم كتاب صحيح البخاري.

كثير من الناس اليوم لا يعرفون عن كتاب البخاري الأشهر الذي يُعرف به إلا باسم: “صحيح البخاري”، ولربَّما ذُكِر بين المختصين وطلبة العلم باسم: “الجامع الصّحيح”، ولكن الاسم الذي سمَّاه إياه البخاري (رحمه الله) فهو على قولين قريبين:

الاسم الأوَّل لصحيح لبخاري:

“الجامع المسند الصَّحيح المختصر من أمور رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم وسُنَنه وأيَّامه”.

الاسم الثَّاني لصحيح البخاري:

“الجامع الصَّحيح المسند من حديث رسولِ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم وسُنَنه وأيَّامه”.

لماذا جمع البخاري صحيح البخاري؟

ذكرنا في المقال السابق (راجعه هنا) سبب عزْم البخاري على كتابة وجمع كتابه صحيح البخاري، وفي الحقيقة فإن سبب كتابة البخاري صحيح البخاري ليس سببًا واحدًا، فقد ذُكر أكثر من سبب لجمع صحيح البخاري:

السبب الأول لكتابة صحيح البخاري:

تنقية كتب السنة مما فيها من غير أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لـمَّا بدأ العلماء في تدوين السنة كانوا يجمعون مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كلام غيره من الصحابة والتابعين وغيرهم، وكذلك فقد كانت تجمع هذه الكتب كل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من شتَّى الطرق، الصحيح منها وغير الصحيح، فاتجهت همَّة البخاري إلى تجريد كلام النبي صلى الله عليه وسلم مما سواه من أقوال غيره أو ما لم يثبُت مما نُسب إليه.

يقول النَّووي عن مُصنَّف صحيح البخاري: “أوَّل مصنَّفٍ في الصَّحيح المجرَّد: صحيح البخاري”.

السبب الثاني لكتابة صحيح البخاري:

وهو السبب الذي ذكرناه في المقال السابق، من سماع البخاري لشيخه أمير المؤمنين في الحديث (إسحاق بن راهويه) وهو يقول: “لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّة النبي صلَّى الله عليْه وسلَّم“، فقال البخاري: “فوقع ذلك في قلبي فأخذتُ في جمع الجامع الصَّحيح“.

فقد كانت أمنية طيبة لأمير المؤمنين في الحديث إسحاق بن راهويه، وقد تحققت هذه الأمنية على يد تلميذه: الفذّ محمد بن إسماعيل البخاري.

السبب الثالث لكتابة صحيح البخاري:

وهو من أعجب الأسباب وأرقَّها، فهو رؤيا رءاها البخاري، رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، (ولكم يقشعر جلدي عندما أذكر هذا) فلقد رأى البخاري في منامه النَّبيَّ صلَّى الله عليْه وسلَّم، والبخاري واقفٌ بين يديْه (أمام النبي)، وبِيد البخاري مروحة يذُبُّ (يدفع) بها عنه، فسأل البخاري بعض المعبِّرين، فقالوا له: أنتَ تَذُبُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم الكذِب، يقول البخاري: فهو الَّذي حَملني على إخراج الجامع الصَّحيح.

مدَّة جمع صحيح البخاري.

ذكرنا في المقال السابق أن البخاري استغرق في كتابه صحيح البخاري ست عشرة سنة، لم ينعم البخاري بطعام ولا شراب ولا نوم، لم ينتبه البخاري لما يتطلع إليه الشباب من زهرة الحياة الدنيا، حمله الحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم، والحرص الشديد على صيانة سنة النبي صلى الله عليه وسلم على القيام بعمل تنوءُ بحمله الجبال، فجزاه الله عن الإسلام خيرا.

ما الذي كُتب في صحيح البخاري؟

اعلم أيها القارئ الكريم أن المسلمين تميَّزوا عن غيرهم بعلم الرواية (علم مُصطلح الحديث) والذي به يُثبتون النصوص، وبهذا العلم يثبُت نصّ ولفظ القرآن، وأنه هو الذي قرأه النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه بلفظه، وبه يثبُت نصوص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومُلخص هذا العلم، أن الخبر لا يثبُت إلا برواية الضابط (في حفظه) العدل (في أمانته ودينه) عن مثله بطريقة لا لبس فيها ولا شك ولا انقطاع، وهذا هو الذي يُسمَّى الإسناد، فلابد فيه من شروط:

الأول: صفات الرواة، فلا يُقبل الخبر من كل راوٍ.

الثاني: اتصال الإسناد، بوجود ما يفيد اللقاء بين الرواة أو السماع المباشر.

وكلَّما زادت طُرق الإسناد وتعددت كُلَّما قَوِيَ الخبر (الحديث).

فنحتاج إلى علمٍ يدل على صفات الرواة، أسماؤهم وبلادهم وشُيوخهم وتلاميذهم وأسفارهم وأخبارهم وكلام العلماء في دينهم وقوة حفظهم، ثم لا يكون ما جاء في رواياتهم يُخالف من هو أوثق وأقوى منهم في العدالة والضبط وأن تخلو رواياتهم من العلل والشُذوذ و…………إلخ؛ كلام يطول شرحه، ويُفني طالب العلم فيه عمره وهو لا يزال على ساحل بحره الخِضَمّ.

وبهذا العلم يُمكننا أن نميز بين الصحيح الثابت وبين غيره، ولقد بلغ البخاري في هذا العلم ما (يُمكننا أن نقول أنه) لم يبلغه أحد غيره، (راجع المقال السابق: هنا)، يقول البخاري عن كتابه صحيح البخاري:

لم أخرِّج في هذا الكتاب إلَّا صحيحًا، وما تركتُ من الصَّحيح أكثر“.

كيف كان يُدوِّن البخاري في صحيح البخاري:

لكي تستشعر خطورة المسئولية وإدراك البخاري لثِقل الأمانة اقرأ كيف كان يُدون البخاري الأحاديث في صحيح البخاري، يقول:

ما أَدخلتُ فيه (يعني: صحيح البخاري) حديثًا إلَّا اغتسلتُ قبل ذلك، وصلَّيتُ ركعَتَين، واستخرتُ الله تعالى، وتيقَّنتُ صحَّتَهُ

ويقول البخاري: “صنَّفتُ كتابي (صحيح البخاري) لستَّ عشرة سنة خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى“.

وقيل: “إنَّه لـمَّا ألَّفَ الصَّحيح كان يُصلِّي ركعتين عند كلِّ ترجمةٍ، وبيَّضها (كتبه) بين قبر النبيِّ صلَّى الله عليْه وسلَّم ومنبره“.

شرط البخاريِّ في كتابه صحيح البخاري:

والمقصود بالشرط: أي الشروط التي على أساسها كان يُصحح البخاري الحديث ويُدونه في كتابه صحيح البخاري، وهاك الشروط:

الأوَّل: اتصال الإسناد.

الثَّاني: أنْ يكون راويه مسلمًا، متَّصفًا بصفات العدالة صادقًا، غير مدلِّسٍ، ولا مختلِطٍ.

الثَّالث: أنْ يكونَ راويه ضابطًا، متحفّظًا، سليم الذِّهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد.

الرّابع: “اشتراط المعاصرة بين الرواة، وتحقُّق اللِّقاء بين الرَّاوي وشيخه إذا روى عنه بالعنعنة.

وهذا الاشتراط لضمان ألا يُدخل فيه إلا ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

عدد أحاديث الجامع:

يقول ابنُ حجر:

فجميع أحاديثِه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمُتَابعات على ما حرَّرته وأتقَنتُه (7397) حديثًا،…فجميع ما في صحيح البُخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التَّحرير (2602)، ومن المتون المعلَّقة المرفوعة الَّتي لم يوصلها في موضعٍ آخَر من الجامع المذكور (159) حديثًا، فجميع ذلك (2761) حديثًا“.

وقد ذكر غير ابن حجر غير هذه الأرقام، أو قريبًا منها، ولعل سبب الاختلاف تكرار بعض الأحاديث، وكذلك ذكرها مطولة في موضع ومختصرة في موضع آخر.

مكانة صحيح البخاري العلمية.

يقول النَّووي: “اتَّفق العُلماء على أنَّ أصحَّ الكتب بَعد القرآنِ العزيز الصَّحيحانِ: البخاري ومسلم، وتلقَّتهما الأمّةُ بالقبول، وكتاب البخاري أصحُّهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صحَّ أنَّ مسلمًا كان ممَّن يَستفيد مِن البُخاري، ويَعترفُ بأنَّه ليس له نظير في عِلم الحديث، وهذا الَّذي ذكرناه مِن ترجيح كتاب البخاري هو المذهبُ المختار الَّذي قاله الجمهور وأهل الإتْقان والحذق“.

وقال الإمام النَّسائي: “ما في هذه الكتب كلِّها (أي: الكتب الجامعة للسنة) أَجْوَد مِن كتاب البخاري“.

وقال الحافظ ابن كثير: “أجمعَ العلماءُ على قبوله وصحَّة ما فيه“.

ولك أن تتخيل أن من سمعوا صحيح البخاري من العلماء ونقلوه بالرواية تسعين ألفًا.

قال الفَرَبْرِي: “سمع الصَّحيح مِن البخاري تسعون ألفَ رجُل“.

فلن تجد كتابًا على وجه الأرض بعد كتاب الله تعالى اعتُني بروايته بين علماء الحديث ورواته كصحيح البخاري.

وقد بلغت الكتب التي صُنفت في شرح صحيح البخاري، واستنباط أحكامه، والبحث في رجالِه، وبيان مشكلات إعرابه، إلى غير ذلك، أكثر من مائة وثلاثين مُؤلَّفًا، ويُقال إن العدد أكبر من ذلك بكثير، وخزانات التراث الإسلامي المخطوط فيها المزيد.

وأشهر من اعتنى بشرحه الإمام ابن بطَّال، والإمام محمَّد بن يوسف الكِرماني، والإمام بدر الدِّين الزَّركشي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام بدر الدِّين محمود بن أحمد العيني، والإمام شهاب الدِّين أحمد بن محمَّد الخطيب القسطلاني؛ وغيرهم كثير.

ثم يأتي بعد ذلك أغمار صغار، وجُهَّال أقزام، ليتكلموا عن صحيح البخاري، تعلموا لتُريحوا أنفسكم وتُريحونا من غمِّ جهلكم.

لماذا الطعن في صحيح البخاري؟

اعلم أيها القارئ الكريم أن صحيح البخاري ليس وحده المُصنف المُسمَّى بالصحيح، وليس وحده الذي بلغ قيمة كبيرة بين كتب السُنة، لكنه يُعتبر هو قبة كتب السُنة، وبهدمه واسقاطه تسقُط كل دواوين السُنة، ثم يسقُط بعدها القرآن، فأسباب اسقاط السُنة تصلُح لإسقاط القرآن، ألا وهو الرواية والإسناد!!، فالطعن في صحيح البخاري هو باب للطعن في الدين، والدفاع عن صحيح البخاري هو دفاع عن الدين!!

فانتبه (بارك الله فيك) إلى ما يُحاك لدينك وعقيدتك!!

وأنا أدعو نفسي والإخوة الكرام إلى طلب العلم وخدمة الدين، فأمتنا تنتظر الكثير من أبنائها، فاللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، اللهم آمين.

التعليقات

اترك تعليقك