التخطي إلى المحتوى
حرمان المرأة من الميراث
حرمان المرأة من الميراث

حرمان المرأة من حقها في الميراث: قضية خطيرة، فقد أعطى الشرع المرأةَ حق التملك، فلها فَرْض في الميراث، تتملك هذا الميراث مثل الذكر تمامًا بتمام، ولكن هل تتحصَّل المرأة على حقها في الميراث في بلادنا بسُهولة أم أن الأمر ليس يسيرًا؟، وما حكم حرمان المرأة من الميراث؟، وهل يعلم الذي يمنع بنتًا أو أختًا حقها في الميراث أي حُفْرةٍ أوقع نفسه فيها؟؛ تعرف على الإجابة في هذا المقال.

مشكلة حرمان المرأة -البنات- من الميراث.

إن حرمان المرأة من الميراث أحد رواسب ومخلَّفات الجاهلية، كان أهل الجاهلية قبل الإسلام لا يُوَرّثُون المرأة شيئًا؛ وكان أكبر الذكور هو الذي يتسلط على كامل التركة، وكانوا يتعللون لهذا الظُلم فيقولون: “لا نُعْطى إلا لمن يُقاتل على الخيل ويضرب بالسيف ويطعن بالرمح ويحوز الغنيمة، فجاء الإسلام فنقض هذا كله.

ولكنَّا اليوم أمام جاهلية جديدة، يُعاد تقديم الظلم والجور في صورة جديدة وعِلَلٍ سقيمة، فتُحْرم المرأة من حقها في الميراث؛ إما بسيف الحياء، أو بمُسوغات هي من صنائع الهوى والشيطان، وقد عاينت -ولا سيما في بلدي الحبيب (دشلوط)- بأمِّ عيني صورًا لظلم المرأة وأكْل ميراثها من أبيها وأخيها وعمها، صورًا يندى لها الجبين، ولا سيما من أُناس ظاهرهم الصلاح، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

تقسيم الميراث وخطورة المساس به.

يقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ  لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ  فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ  وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ  فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ  فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ  مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ  آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا  فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ١١﴾ [النساء: 11].

وقد جاءت الآيات تبيِّن -دون شك- تقسيم الميراث، فأحْكام الإرْث جاءت مُحْكمة في كتاب الله تعالى، يقول سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٣ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٤﴾ [النساء: 13-14].

فتقسيم الميراث من قِبَل الله، وقد وَسَمَه الله بأنه حدود الله، ومن يتعد حدود الله فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، أَعَاذَنَا الله وإياكم من النار ومن عذابها.

أُسُس تفاوُت الميراث.

قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ١١﴾ [النساء: 11].

يُبيِّن الله تعالى: أن القرابة تتفاوت بتفاوت لا يعلمه إلا هو سبحانه، فهو العليم الحكيم، والعباد لا يدرون ولا يعلمون أي أقاربهم أقرب وأنفع، فتقسيم الميراث من لدن حكيم عليم، ومن تمام الإيمان أن تُسلم لله بهذا، ومن مُقْتضيات الإيمان الصادق ألا تعترض بالقول أو بالفعل على تقسيم العليم الحكيم، فمن استكثر فرضًا أو نصيبًا فليراجع إيمانه.

الترهيب من أكل الحقوق العباد.

روى مسلم عن أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ “، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ فَقَالَ: ” وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ “.

فنعوذ بالله من التعدي على حقوق العباد، فلو أنك -أيها القارئ الكريم- تدبرت الحديث!!؛ لو أكل أحد من حق أخيه ما يُساوي عُود سواك، فقد وجبت له النار، وحُرِّمت عليه الجنة، سلم يا رب.

والأحاديث في هذ الباب كثيرة، فليرجع إليها من أراد الزيادة.

أكل حقوق الأرحام.

ولا شك أن التعدي على حقوق ذوي الأرحام أشد وأعظم، تدبر معي هذا الحديث، والذي رواه أحمد عن الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟» قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ»، قَالَ: فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟» قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ».

فالزنا والسرقة حرام، ولكنها إذا وقعت في حق من أوجب الشرع له مَزِيد إكرام تكون الحرمة أشدّ، ولا شك أن الظلم في الميراث يجري عليه ما ذُكر في الحديث من الشِدَّة في تقرير الإثم، وذلك لما أمر به الشرع من عظيم الإحسان والإكرام لذوي القربى، فكيف لوكان المظلوم من ذوي القربى امرأة ضعيفة؟

رسالة لمن يحرم المرأة من حقها في الميراث.

جاء عند ابن ماجة وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ “؛ والمعنى: أُضَيِّق عَلَى النَّاس، وَأُشَدِّد عَلَيْهِمْ فِي تَضْيِيع حَقّهمَا، وَالْمَقْصُود: إِشْهَاده تَعَالَى فِي تَبْلِيغ ذَلِكَ الْحُكْم إِلَيْهِمْ.

والذي يحرم المرأة من ميراثها فقد أكل حق ضعيفين، (اليتيم والمرأة).

إنها امرأة ويتيمة، ظلمها أشدُّ الظلم، ومصيبة تُحزنُها أكبر من كل مصيبة، لا سيما وإن وقع هذا الظلم ممن كانت ترجو منه الإنصاف.

ألا فلتتق الله، ألا فلتتفكر فيمن سبقك وأكل ميراث امرأة قبلك، كم عمَّرّ في الدنيا، وأين هو الآن؟، بين يدي من حرَّم الظلم على نفسه وحرَّمه على عباده.

هل ستخلد في الدنيا؟! هل تأمن عذاب الله؟! لماذا تنسى ذلك اليوم العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يفرُّ المرأُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا  إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ  فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٣٣ ﴾ [لقمان: 33].

أكَلَتَ ميراث المرأة من أجل ماذا؟، ولصالح من؟، ابنك؟ زوجك؟ نفسك؟، انتبه إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ١٠١﴾ [المؤمنون: 101].

لا أنساب؛ لا قرابة، لا ابن ولا زوج ولا أحد، تذكر قول الله تعالى:﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ  فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ٣٧﴾ [فاطر: 37].

ميراث المرأة أمانة.

روى البيهقي وغيره عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: ” الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إِلَّا الْأَمَانَةَ، قَالَ: يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقَالُ: أَدِّ أَمَانَتَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، وَيُمَثَّلُ لَهُ أَمَانَتُهُ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ دُفِعَتْ إِلَيْهِ، فَيَرَاهَا فَيَعْرِفَهَا فَيَهْوِي فِي أَثَرِهَا حَتَّى يُدْرِكَهَا، فَيَحْمِلَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ خَارِجٌ زَلَّتْ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَهُوَ يَهْوِي فِي أَثَرِهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ”.

فيا عجبًا لم صلى وصام وتقرَّب لله بسائر العبادات، ثم أحبط عمله بتضييع الأمانة وأكْل ميراث المرأة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا  وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ١٠﴾ [النساء: 10].

ابتعد أيها الفاضل عن ميراث المرأة، لو كان لك عليها مال فاجعله بعيدًا عن ميراثها، فرّْ بنفسك، أنْجُ بدينك، استبرئ لعرضك.

اللهم باعد بيننا وبين حقوق العباد كما باعدت بين المشرق والمغرب، وبغِّض اللهم أكْل ميراث النساء إلى قلوبنا، اللهم آمين.

التعليقات

اترك تعليقك