أخبار إقتصادية

“رحلة عبر الزمن” .. نسج المستقبل بخيوط من ذهب التاريخ

“رحلة عبر الزمن” اسم بدلالة قوية، ذاك الذي تم اختياره لبرنامج إحياء وتأهيل المنطقة الأثرية في مدينة العلا، شمال غرب السعودية، فمخطط المشروع يبسط رحلة في رحاب التاريخ، بسرد شمولي لمختلف الحضارات التي كان لها مستقر في واحات العلا، على امتداد أزيد من سبعة آلاف عام من التاريخ الإنساني، ممزوج بأحدث تقنيات الاستدامة حفاظا على البهاء الذي تصنعه الطبيعة، ما يعد بتحويل المنطقة إلى موقع التقاء زمنين، المستقبل يعانق الماضي.
يمزج المشروع الطبيعة والثقافة بالاقتصاد والبيئة، فالرؤية التصميمية لمخطط الرحلة، دمج للمؤهلات الطبيعية والجيولوجية مع الإرث التراثي والثقافي المتجذر في الأصالة والقدم، واستثمارها في مسيرة نقل العلا إلى رحاب العالمية، بتحويلها إلى وجهة سياحية عالمية، تنسج خيوط المستقبل بالعودة إلى الماضي، من خلال اكتشاف تاريخ وتراث وتقاليد وفنون وحضارة الأجداد، مشيدة لبنة أخرى من لبنات مسيرة التحول في البلاد ضمن رؤية المملكة 2030.
في كل مشروع جديد، تصر المملكة على الوفاء للطبيعة والانتصار للبيئة، فالمشروع الرحلة مستوحى كفكرة من طبيعة العلا وتراثها، حيث سيتم إنشاء خمسة مراكز ملهمة في مسار الرحلة. ويعد كل مركز بذاته معلما ثقافيا بحد ذاته، ويعكس بشكل فريد الطبيعة والتضاريس التي تنفرد بها هذه المنطقة الجغرافية، حيث تم اعتماد هذا التصميم المكاني للمراكز والمرافق الثقافية المتميزة، لترتكز على توفير تجربة فريدة للزوار لاستكشاف تاريخ المنطقة العريق. ناهيك عن إسهامه في إعادة إحياء وتأهيل الواحة الثقافية، والتنمية المستدامة لمجتمعها الزراعي، التزاما بتأهيل وتطوير القطاع الزراعي في المنطقة.
يذكر أن الدراسات تفيد بأن وفرة المياه العذبة كانت عاملا أسهم في جذب البشرية إلى هذا المكان طوال آلاف السنين، فالحفريات تتحدث عن مقابر تعود إلى العصر البرونزي، منذ 2500 عام. ثم بعد بنحو ألف عام، شيدت أسوار للمدينة، بعدما أضحت العلا نقطة مهمة على طريق تجارة البخور عبر شبه الجزيرة العربية، لوجود ممالك عربية قديمة “دادان، لحيان، الأنباط…” بأحوازها.
ويحضر البعد البيئي بقوة، في تفاصيل المخطط، فهذه المراكز الخمسة، يؤثثها 15 مرفقا ثقافيا “متاحف، معارض…”، تمثل معالم رئيسة خاصة بكل مركز. ويتيح هذا الأخير، إمكانات متعددة حول طرق الضيافة وأساليب العيش، فتتجاور الفنادق والنزل الفاخرة مع المنتجعات السياحة ومزارع الوادي المنحوتة في صخور الجبال. كما يحرص المشروع السياحي على الوفاء للطبيعة، بتكريس حلول ومفاهيم مستدامة للتنقل، تهدف إلى تقليل الازدحام في الطرق، وخفض منسوب الضوضاء، وتوظيف الطاقة الكهربائية والمستدامة بفاعلية، وتعزيز شبكة الربط بين المراكز والأحياء والمواقع التراثية والمواقع السياحية، وتقديم خيارات متنوعة وشيقة تحتفي بجمال الطبيعة والتراث في منطقة العلا.
مشروع تلو آخر، تقدم المملكة نفسها نموذجا يحتذى في حماية التراث الثقافي والطبيعي للعالم والمحافظة عليه، بالاعتماد على سياسات متينة لتنمية المناطق الطبيعية، والإنتاج الزراعي المستدام، وتحسين إدارة المياه. ناهيك عن الحضور الوازن لمبادئ الاقتصاد الدائري، فالمخطط سيخصص 80 في المائة من إجمالي مساحة العلا كمحميات طبيعية لإعادة إحياء النباتات وإعادة النظم الطبيعية، بما في ذلك المحافظة على الحيوانات البرية وإعادة توطينها وحماية الموائل الطبيعية لها.
اقتصاديا، يتوقع أن يوفر مشروع “رحلة عبر الزمن”، بمراحله الرئيسة الثلاث، المرتقب بلوغ الأولى لنهاية عام 2023، عند اكتمالها، في عام 2035، 38 ألف فرصة عمل جديدة، ويسهم بمبلغ 120 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. كما يعد المخطط فصلا جديدا في مسيرة التحول الكبرى للمملكة، بإيلاء العناية لملف السياحة والترفيه، من خلال الاستثمار في المؤهلات النوعية التي يعج بها البلد، من مواقع سياحية وثقافية ومحطات أثرية ومهرجات شعبية… ما يمثل عوائد مادية بديلة عن الارتهان لعائدات النفط.
للثقافة نصيب في المخطط بمعهد الممالك، وهو مركز عالمي لدراسات الحضارات، التي سكنت شمال غرب شبه الجزيرة العربية، منذ آلاف السنين، بما في ذلك الممالك العربية القديمة في مدينة الحجر الأثرية، أحد المواقع المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. كما يمثل فرصة لنفث الغبار عن الذاكرة الحديثة للمنطقة، حيث كانت مشروع سكة حديد الحجار الرامي إلى ربط مدينة دمشق في سورية بالمدينة المنورة.
بهذا المخطط تؤكد المملكة للعالم من جديد، أن أساس نجاح الرؤى والمشاريع والخطط هو استلهامها من بيئتها الحاضنة، فلا مستقبل لأي فكرة مستوردة مهما كانت نوعيتها وأهميتها، ما لم تراع الطبيعة والإنسان، فهما محور استمرارية الحياة على وجه الأرض. وهذا ما عمل مخطط “رحلة عبر الزمن” على إثباته، من خلال حرص المملكة الدؤوب على المحافظة على الذاكرة الإنسانية لشعوب وحضارات المنطقة، وعيا منها بأهمية ذلك في إثراء الحركة التاريخية والثقافية والحضارية في المنطقة والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى