أخبار إقتصادية

الإنذار الكاشف .. تأثيرات “نافخي الصافرات” على الشركات العالمية الكبرى

توقفت خدمات شركة “فيس بوك” (ميتا Meta بعد تغيير اسمها مؤخراً)، عن العمل في 4 أكتوبر 2021 لمدة تقارب الست ساعات، على نحو كبّد الشركة في يوم واحد خسائر تُقدر بنحو 114 مليار دولار؛ شملت هبوط القيمة الأسمية لأسهمها، وخسائر أخرى في الإيرادات التشغيلية. ولم تتوقف أضرار “فيس بوك” عند هذه الحادثة المؤقتة، إذ كانت الموظفة السابقة في الشركة، فرانسيس هيوجين، على مقعد الاستماع لشهادتها أمام الكونجرس الأمريكي في اليوم التالي، حيث أفصحت عن آلاف من الوثائق للسلطات المحلية التي تكشف عن عدم مصداقية “فيس بوك” في اتخاذ ما يلزم من الإجراءات لمحاربة الكراهية والعنف عبر منصاتها، وهو ما يعيد إلى الأذهان مجدداً قضية “نافخي الصافرات” Whistleblowers، وتأثيراتهم على الشركات العالمية الكبرى.

من هم نافخو الصافرات؟

يُقصد بمفهوم “نافخ الصافرة” ذلك الشخص الذي يعمل في مؤسسة ما، ويكون جزءاً من منظومتها، ثم ينقلب عليها من دون تخطيط مسبق، كاشفاً للعالم ما تخفيه تلك الشركة من ممارسات فساد أو احتيال أو حتى ممارسات غير أخلاقية وغير مهنية، والتي تكون غير متوافقة بشكل عام مع التشريع القانوني.

وقد ابتكر الأمريكي “رالف نادر” هذا المصطلح في أوائل سبعينيات القرن الماضي، للتمييز بينه وبين مصطلحي “الجاسوس” informer، و”الواشي” snitches. ويرجع سبب التسمية إلى اعتبار “نافخي الصفارة” ذلك الصوت أو جرس الإنذار الذي يلفت الانتباه إلى وجود أزمة ما، ويشبه في ذلك دور بعض الأشخاص الفاعلين بالمجتمعات المحلية في الكشف عن الفساد والإفصاح عن الممارسات الخاطئة في المجال العام.

وبعد الكشف عن تلك الممارسات، عادة ما يكون “نافخو الصافرات” عُرضة لتهديدات جمة، مثل الأضرار المهنية كالفصل عن العمل، إلى جانب العقاب القانوني في بعض الأحيان. لذا اهتمت التشريعات في بعض الدول بتوفير الحماية القانونية وتقديم الدعم المالي لهم، بينما في بعض الدول الأخرى لا يزال “نافخوا الصفارات” يقعون تحت طائلة القانون.

ولأن “نافخي الصافرات” يأتون من داخل المنظومة نفسها، لذا فعادة ما تتباين الآراء بشأنهم؛ فهناك من يرى أن لديهم ما يكفي من الشجاعة للتضحية بأنفسهم لأجل المساءلة المؤسسية والصالح العام، بينما آخرون يعتبرونهم غير مؤتمنين على اعتبار أنهم قاموا بإفشاء أسرار الجهة أو المؤسسة التي يعملون بها، أو حتى يسعون للمجد والشهرة، أو لديهم مصالح خفية أو يفشون الأسرار لغرض الانتقام في حد ذاته. وبالرغم من ثبوت صحة هذه المخاوف في بعض الحالات، فإن ذلك لا ينفي وجود ممارسات قد تكون غير متوافقة مع التشريعات أو القيم الأساسية للمجتمع في نهاية المطاف.

ومن اللافت أن حوادث “نافخي الصافرات” في السنوات الأخيرة تكشف عن تزايد حالات السيدات المُبلغات عن ممارسات متنوعة بين الفساد والممارسات غير الأخلاقية وغيرها، وعادة ما تكون المرأة المُبلغة صاحبة خبرة طويلة في عملها. ومن الملحوظ أيضاً أن الأشخاص العزاب أكثر ميلاً للإبلاغ عن الممارسات غير الشرعية من المتزوجين؛ نظراً لمرونتهم في تحمل أي خسائر قد تحدث.

اعتراف دولي:

يحتفل العالم في 23 يونيو من كل عام باليوم العالمي لحماية حقوق “نافخي الصافرات”، وهناك قوانين لحمايتهم في 30 دولة حول العالم، وهي تعمل على حماية كاشفي الفساد من الملاحقة أو التعرض للطرد التعسفي، وربما تضمن لهم الحصول على جائزة مادية أيضاً عبارة عن نسبة من التعويضات التي تدفعها الجهة المتورطة في الفساد، مثلما حدث مع ديفيد فرانكلن؛ العالم الذي قدم ادعاءً بشأن التسويق غير الملائم لدواء “النيورنتين”، وحصل على 24.6 مليون دولار بعد إقرار شركة “فايزر” بانتهاكها القانون الفيدرالي.

وبصفة عامة، يتجه المجتمع الدولي إلى مزيد من الاعتراف بضرورة حماية “نافخي الصافرات”، وهذا ما أشار إليه بيان قمة “مجموعة العشرين” المُنعقدة في اليابان في عام 2019، حيث أكدوا أن حماية “نافخي الصافرات” هي أولوية للمجموعة، وجزء أساسي من التأكيد على مبادئ الحوكمة ومكافحة الفساد.

ومع ذلك، لا يلقى “نافخو الصافرات” في بعض الأحيان الحماية الملائمة، حتى في بعض الدول الأوروبية، ويتعرضون لممارسات انتقامية مثلما حدث مع أنطوان ديلتور؛ الذي عمل كمدقق حسابات في مكتب لوكسمبورج لشركة “برايس ووتر هاوس كوبرز” في الفترة من عام 2008 إلى عام 2010، وأُدين من قِبل السلطات القضائية في لوكسمبورج بتسريب وثائق الشركة، وواجه عقوبة السجن لمدة 5 سنوات وغرامة قيمتها 1.250 مليون يورو، قبل أن يتم تبرئته في عام 2018 واعتباره كمُبلغ عن مخالفات ضريبية.

وقائع عديدة:

تعتبر القضايا ذات الطابع السياسي من بين أكثر الموضوعات التي أثارها “نافخو الصافرات” في التاريخ الحاضر، ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا السياق “فضيحة ووتر جيت” في يونيو 1972، التي أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي آنذاك، ريتشارد نيكسون، بعد ثبوت تجسسه على مكاتب الحزب الديمقراطي. وسرب نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك، ويليام مارك فيلت، حقائق حول هذه الفضيحة لمراسلين بصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية وهما كارل بيرنشتاين وبوب وودوارد، وتم نشر تفاصيلها بالصحيفة على مدار عامين كاملين حتى عام 1974.

ومن أبرز النماذج الأخرى، تسريب إدوارد سنودن، الموظف السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية، وثائق سرية كشفت عن قيام الحكومة الفيدرالية بجمع معلومات عن المواطنين كجزء من برنامجها الضخم للمراقبة الإلكترونية، ولكن اتهمته السلطات الأمريكية بالتجسس في يونيو 2013.

فيما كشف هاري ماركوبولوس، وهو تنفيذي سابق بشركة Bernard L. Madoff Investment Securities، عن تورط الشركة في احتيال مالي على العملاء والمستثمرين وبقيمة قٌدرت بنحو 65 مليار دولار بعد إجراء التحقيقات؛ وهي أكبر عملية احتيال مالي في التاريخ الحديث. وأدانت السلطات القضائية الأمريكية، مؤسس هذه الشركة، برنارد مادوف، والذي تُوفي في العام الجاري، وحكمت عليه في عام 2009 بالسجن لمد 150 عاماً.

وفي العقد الأخير، كشف موظفون لدى بعض الشركات الأمريكية والأوروبية مثل “ألفا بيت” و”أوبر” و”تسلا” و”بي بي” و”فايزر”، عن معلومات ووثائق ادّعت تورط هذه الشركات في بعض الممارسات غير المهنية. فعلى سبيل المثال، تواردت مزاعم في عام 2019 بأن مجموعة من المُبلغين قدموا شكاوى إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أفادت بأن الفجوات في الأجور بين العمال المؤقتين والموظفين بدوام كامل الذين يقومون بعمل مماثل قد اتسعت على مدار السنوات القليلة الماضية، على نحو يهدد العدالة الوظيفية. وهنا، من الملحوظ أن بعض الحالات المُبلغ عنها لا يُمكن الجزم قطعاً بصحتها أو حتى التأكد من ثوبتها، مما لا يفرض على الشركات المعنية أية تبعات قانونية لاحقة.

ولكن بشكل عام، تتعامل السلطات الرقابية الأمريكية والأوروبية مع تلك الإفصاحات من خلال إجراء تحقيقات للوقوف على مدى صحة هذه المعلومات. وفي كثير من الحالات، فرضت السلطات الرقابية غرامات كبيرة على تلك الشركات لاحتواء الأضرار الناجمة عن ممارساتها الضارة على المجتمع والاقتصاد. فيما أسفرت التحقيقات في حالات أخرى عن إغلاق الشركات المتورطة نهائياً على غرار حالة شركة “برنارد ل. مادوف انفستمنت سيكيوريتيز”. علاوة على ذلك، فإن الضرر الأكبر الواقع على الشركات يتمثل في تهديد سمعتها في الأسواق العاملة بها.

نموذج فريد:

ادعت فرانسيس هوجن، الموظفة السابقة في شركة “فيس بوك”، والتي غيّرت اسمها لاحقاً إلى “ميتا”، أن الشركة وتطبيقاتها تُعلي من شأن الأرباح وزيادة الإعلانات على حساب سلامة المستخدمين، حيث تقاعست الشركة، بشكل مقصود، حسب الموظفة، في تغيير الخوارزميات التي تعتمد عليها لتقليل خطابات الكراهية والعنف والمعلومات المضللة المنشورة على منصاتها، فضلاً عن وجود نقص كبير في أعداد الموظفين بها، ما يحد من قدرتها على المراقبة الفعالة والاستجابة للمحتوى الضار على منصاتها المختلفة.

وأبرزت هوجن، في جلسة استماع أمام اللجنة التجارية الفرعية لحماية المستهلك في مجلس الشيوخ الأمريكي، في 5 أكتوبر الماضي، آلاف الوثائق المسربة من شركة “فيس بوك”، مشيرة إلى أن “منتجات فيس بوك تضر الأطفال وتؤجج الانقسام وتضعف ديمقراطيتنا”. ويثير ذلك تساؤلاً رئيسياً حول ما إذا كانت شركة “ميتا” حالياً ستلاحق فرانسيس هوجن قانونياً بعد تسريب الوثائق إلى الكونجرس الأمريكي ووسائل الإعلام.

ولدى الولايات المتحدة حزمة من القوانين لحماية أولئك المُبلغين عن المخالفات الحكومية وغير الحكومية مثل قانوني Dodd-Frank، وSarbanes Oxley، واللذين يمنحان لجنة الأوراق المالية والبورصات الحق في اتخاذ إجراءات ضد الشركة التي تهدد المُبلغين عن المخالفات. وبالرغم من ذلك، يمكن أن تتهم شركة “ميتا” هوجن بأنها خرقت القوانين مع تسريب وثائق الشركة للصحافة، وأنها فعلتها قاصدة على ما يبدو لزيادة الضغط على الكونجرس والسلطات الرقابية، لاتخاذ موقف حيال الشركة.

ولكن يرجح البعض أن شركة “ميتا” ستتغاضى عن مقاضاة هوجن؛ حتى لا تثير غضب السلطات الحكومية والتي وجهت اتهامات للشركة بانتهاك خصوصية المستخدمين ونشر الكراهية والعنف، وتعرض رئيسها مارك زوكربيرج وعدد من المديرين لجلسات استماع لتوضيح لتلك المسائل وغيرها. ويعتبر البعض أن المكسب الحقيقي من وراء كشف هوجن، كان إعلان شركة “فيس بوك” تغيير اسمها إلى “ميتا” والذي يتضمن بناء نموذج جديد يقوم على تحسين بنية التواصل بين المستخدمين، بالإضافة إلى تنمية الأعمال التجارية.

ختاماً، يمكن القول إن تأثير “نافخي الصافرات” على الشركات والمؤسسات عادة ما يكون كبيراً، ويطال سمعتها بالأساس، علاوة على الخسائر المادية الناجمة عن الغرامات المفروضة عليها من السلطات الرقابية، ويقتضي الأمر من الشركات وجود نظام إفصاح واضح داخلي في الشركات يساعد على نموها على المدى الطويل وأيضاً كسب ثقة المجتمع. ولذا، اتجهت بعض الشركات مؤخراً لإقرار أنظمة للإبلاغ عن المخالفات الداخلية، بما يساعد المؤسسة على تحقيق أهدافها الربحية وتطهيرها من الداخل.

* مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية

المصدر: هسبرس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock