روايات وقصص

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم.

من روايات الكاتب محمد إبراهيم عبد العظيم

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم:

أنا سواق توك توك ومش عيب أبدا اني اقول كدا، الشغل عمره ما كان عيب، حصل معايا موقف مش قادر انساه خالص .

في يوم كنت بوصل زبونة لمنطقة اسمها أطلس في حلوان ، في الطريق ده بنعدي على ترب موجودة على يمين الشارع .

مش فاكر بالظبط الساعة كانت كام مكنتش مركز اوي الحقيقة، بس اللي فاكره اننا وقتها كنا بعد العشا بشوية .

عديت بيها عند المقابر، كنت مشغل الصَب ومعلي الاغاني شوية، رغم كلام الست ليا اني اوطي الصوت كنت بسمعها واطنش .

كنت شارب سيجارة ملفوفة ودماغي متكلفة مكنتش عايز افصلها .

وصلتها والبيت كان جمب المقابر بشوية، أول ما نزلت لقيتها بتدعي عليا، كنت مطنش اي كلام منها ، خدت منها الفلوس ورجعت عشان امشي وانا برضو مشغل الاغاني عندا فيها .

البيت كان في منطقة هادية والمنطقة دي بتطل على المقابر اللي قولتلك عليها ، الصوت كان عالي اوي قربت من الشارع اللي فيه بدخل يمين وابقى في الطريق اللي هرجع فيه الموقف، وهو بالمناسبة نفس الطريق اللي جيت منه .

بس مخدتش بالي ان فيه حفرة قدام مني ، وانا ماشي وبدندن بصوت عالي مع الاغاني نزلت في الحفرة العجلة غرزت .

فضلت افرك عشان اطلع لكن مافيش فايدة ، نزلت والاغاني لسه شغالة ، كنت قدام مدفن بابه حديد أخضر متسلسل وقدام المدفن صبار دبلان .

بصيت حواليا ، كنت عايز اي حد يساعدني ، ملقتش ، حاولت لواحدي بس مقدرتش ، الحفرة كانت غويطة ، والغريب واللي قولته من شوية ان وقتها انا عديت من نفس المكان وانا بوصل الست ، بس الحفرة دي مكنتش موجودة انا متأكد .

_ يا عم انت حرام عليك كدا ، يسطاااا .

سمعت صوت جاي من ورايا وبالتحديد عند المقابر ، كان شاب في اواخر العشرينات ، بصيتله بقرف كدا وقولتله وانا عاوج بوئي :

_ انت بتكلمني انا يصحبي ؟ .

_ أيوة انت ، وطي الزفت اللي انت مشغله ده ، معندكش دم صحيح .

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم:

روحت فعلاً وطيت الاغاني بس مقفلتهاش ، ماهو غلط فيا وكان لازم اروحله واوريه مقامه .

_ انت قليل الادب بقى وعايز تتربى ، يلا يلا اجري من هنا شوف انت رايح فين .. يلاا متنحش عشان مزعلكش .

بعد اخر كلمة مني سابني ومشي ، مشي بين حواري المقابر، انا شوفته بيمشي وسط الترب في الضلمة بخطوات ثابتة انا اتهزيت ! .. ايوة انا قولت انه مش بني ادم وانه بسم الله الحفيظ عفريت .

كان في نص سيجارة محشية معايا ، سيجارة حشيش يعني ، ولعتها وحاولت أهدى شوية ، هوصفلكوا المكان اللي كنت فيه بالظبط .

للي من حلوان او اطلس بالتحديد هيعرف اللي هقوله ، المنطقة اللي عند المقابر وبالتحديد في شارع مكتب التومين اللي هناك.

على الشمال في اول الشارع اللي انا واقف فيه كان فيه عمارة من 3 أدوار بس الواضح أن محدش ساكن فيهم ، وعلى يميني كان في بيت مبني بس مش كامل ، الخرصانة والسلم وبس ، وكان مليان زبالة وريحة وحشة .

المنطقة دي معروفة بهدوئها خصوصاً بعد الساعة 7 بالليل ، قفلت الاغاني وسحبت المفاتيح ، ماهو في ورش بعد كام خطوة مني ، جيت عشان امشي ، بس خوفت على المكنة ، عشان كدا رجعت ووقفت على اول الشارع وكان بيني وبين المقابر 3 متر بالظبط .

عمال باصص يمين وشمال مش لاقي حد ، السيجارة في بوئي والمفاتيح في ايدي عمال اهزها بتوتر ، في الوقت ده ، عيني جت على الباب الحديد الاخضر اللي حكيت عنه من شوية ، الباب بطبيعته مفتوح فتحة في نصه علشان السلسلة مربوطة فيه .

لكن مكنتش السلسلة بس اللي جوة الفتحة لأ ، كان في عين ، عين بني أدم طبيعية بتبربش وبصة عليا !!

اول ما بصيت وشوفتها اختفت لجوة تاني ! .

قلبي كان هيقف من الرعب ، قولت بسم الله الحفيظ ورجعت اوام على المكنة وقعدت فيها ، حاولت ادورها كتير .

روحي كانت هتروح مني لما لقيت السلسلة بتتهز وبتتحرك لجوة الباب !! .

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم.

انا بطبعي قلبي ميت مش بسهولة اخاف ، بس في الوقت ده حسيت اني عيل صغير ، أيوة كنت خايف .

نزلت من التوكتوك ورجعت وفضلت أزُق فيه بكل قوة ، فضلت أحاول اكتر من مرة لحد ما ف مرة نجحت انه اتحرك ، بس بعد ما اتحرك والعجلة طلعت من الحفرة ، وقعت على الارض والتوك توك ااااااا .

التوكتوك اتحرك تلقائي وفضل يتحرك لان كان فيه نزلاية بسيطة في اول الشارع ده ، والنزلاية دي كانت سبب

انه يفضل ينزل لحد ما خبط بقوة في الباب الحديد !! .

أيوة المكنة خبطت باب القبر وأنا فضلت على الارض ملحقتش الحقه .

قومت ونفضت نفسي وقولت هرجعه من ضهره وهركبه وامشي من هنا .. بس كنت غلطان .

عشان لما قربت من المكنة لقيت طوبة كبيرة أتحدفت عليا ! .. اتحدفت عليا من جوة المدفن اللي انا واقف قدامه !! .

مكنش متسقف ، عشان كدا طوبة تانية اتحدفت خلتني أجري من مكاني وبعدت شوية ، لحد الوقت ده كنت شاكك ان اللي بيحصل معايا ده مقلب عشان اجري واسيب المكنة و اتسرق .

ويمكن الاقتراح ده كان مخليني مش عايز أسيب المكنة واروح لحد يجي معايا ، وموبايلي جوة المكنة .

المرادي كنت واقف في نفس المكان اللي ظهرلي منه الشاب ، على اول حارة من االمدافن.

فجأة كدا الأغاني أشتغلت تاني ، مهرجان من بتوع اليومين دول وصوته كان عالي اوي ، بس مش دي المشكلة عندي ، المشكلة انه ازاي اشتغل لواحده كدا ! .

لا واللي حصل بعد كدا كان أكتر غرابة ، لان الأغاني كانت بتتغير لواحديها !! .. لقيت اتنين بيقربوا عليا من قلب الضلمة اللي جوة المقابر ، لقيت الشاب ومعاه راجل كبير ، كان الواضح انه ابوة .. لقيت الراجل بيبصلي وبيقولي بغضب :

_ يعني سايب الدنيا كلها وجاي تشغل اغاني في المقابر ، متعرفش ان في حاجة اسمها حرمة اموت ؟ .

رديت عليه بأرتباك وقولتله :

_ ا ا انا مشغلتش حاجة ، ا ا انا بس كنت ااااا

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم.

الشاب اللي واقف معاه قاطع كلامي ووجه الكلام لابوة وقال :

_ انا قولتله وهو مرضاش يمشي ، وشوف لسه مشغل الاغاني المزعجة دي رغم اني قولتله .. وهو مرضاش يمشي .. شوف احنا ساكنين فين والصوت واصلنا .

مش عارف ليه حسيته بيعيد الكلام ، مهتمتش خصوصاً اني اتاكدت انهم بني ادمين مش زي مكنت مفكره .

اتجرأت وهما واقفين وروحت ركبت المكنة وقفلت الاغاني ، او في الحقيقة حاولت لكن الاغاني كل محاول اقفلها الصوت كاان بيعلى أكتر وأكتر !!! .

طبعاً كنت قاعد على الكرسي والباب بيني وبينه البربريز الي قدام.

إضاءة حمرا خافتة، إضاءة لثواني ظهرت واختفت بسرعة، اضاءة شوفتها جوة الفتحة، اضاءة مش عارف مصدرها ظهرت من جوة القبر وانا قاعد وبحاول اخرج حتى بالمكنة مش عارف!.

نزلت علطول من النحية التانية وانا بقول بصوت عالي :

_ اهو اتأكدت يا عم الحج، الاغاني مش عايزة تتاااااااا .

انا بقول ايه ؟ وبكلم مين أصلا؟، محدش موجود غيري، جريت بصيت جوة الضلمة ملقتش أثر ليهم خالص ! .

أثر ، قولت الكلمة دي وبصيت مكان مكانوا واقفين، كان في ماية مرشوشة على التراب وبالتالي اتكون طينة عامله دايرة .. الراجل وابنه كانوا واقفين على الطينة، لو كانوا بالفعل واقفين أثار رجليهم كانت هتبقى باينة وواضحة لو مشيوا كدا او كدا .

لكن لما ملاقيش اي اثر لوجود رجلين كان لازم امشي من هنا .

اللي عملته اني جريت على بيت الزبونة اللي وصلتها، كنت ببص على المكنة كل ما ابعد، بيتها مكنش بعيد، لسه كنت هطلع واخبط على اي دور، بصيت على اول دور لقيتها واقفة في البلكونة بصالي !! .

مستنتنيش اتكلم، كان في شاب واقف جمب منها، اول ما بصتله سابها ودخل جوة، دقيقة وكان قدامي في الشارع ، مشي وانا وراه في صمت، بعدنا كام خطوة وبعدها قالي :

_ سامحني يسطا انا كنت شايفك من الاول وجيت عشان انزلك امي مسكتني وحلفت عليا منزلش غير لما هي تقولي، لما سألتها ليه حكيتلي بقى اللي انت عملته معاها .

متكلمتش، كنت ماشي ساكت وباصصله، كنت عايز اقوله يعني انت شوفت اللي حصل معايا ؟ .

اتكلم مرة تانية ورد على كل الاسئلة اللي كانت بتدور جوايا:

_ أرجوك قولي أيوة كنت بتتكلم في الموبايل، أصلي انا كنت شايفك واقف بتتكلم هناك وبتزعق، كنت بتتكلم في الموبايل صح؟

وقفت وهو كمان وقف، هزيتله دماغي بمعني لا مكنتش بتكلم في الموبايل .

برأ عينه لثواني ولقيته بيهمس وكان الواضح انه بيقرا قران او حاجة، كملنا الطريق وسحب التوك توك معايا وااااااا ….

لا ثواني بس أصل حصل حاجة وكان لازم اقولها، الاغاني مش شغالة ! .. مش عارف امتى ولا ازاي ولا مين اصلا شغلها علشان يطفيها .

ركبت المكنة وانا بقول لنفسي بصوت عالي :

_ الاغاني كانت شغالة دلوقتي، مين قفلها ؟ .

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم.

ركبت وقبل مامشي لقيته بيقولي :

_ لو ليك نصيب ورزق تيجي هنا تاني، بلاش اغاني وازعاج، الميتين بيحسوا وليهم حرمة برضو .. امي قالتلي انك كنت معلي الاغاني على اخرها .. وده غلط .

بصيتله باستغراب وقولته :

_ كنت !! .. يعني ايه كنت .. الاغاني كانت شغالة دلوقتي .. انت مسمعتهاش .. صوتها كان عالي اوي .

هز دماغه وقالي :

_ محصلش، من وقت مشوفتك ومكنش في اي اغاني شغالة .

نزلت من المكنة وقولتلك حصل كذا وكذا وكذا .

قالي وهو بيضحك :

_ متخفش ده عم ربيع وابنه سعيد دول قلبهم ابيض اوي .. اه وعلفكرا . . تعالى معايا كدا، بص مافيش اي حفرة موجودة هنا!.

استغربت بس رجعت وفكرت وقولت لنفسي (فعلا لما جيت هنا اول مرة مكنش فيه حاجة) .. رجعت قولتله :

_ تمام عرفت دي، قولي بقى انت ليه قولتلي اني كنت بتكلم في الموبايل، مفهمتش قصدك، معلش استحملني.

طلع من جيبه علبة سجاير، خد واحدة واداني واحدة، ولع سيجارته وبعدها ولعلي السيجارة وقالي بصوت واطي وهو بينفخ الدخان قدامه في الهوا :

_ بص القبر اللي بابه اخضر ده اعوذ بالله يعني بيقولوا ان اللي اتدفن فيه راجل بتاع اعمال وكدا اعوذ بالله، و لما شوفتك بتتكلم عند اول الحارة دي، كنت شايفك بتكلم نفسك ، مكنتش شايف حد موجود غيرك فاهمني .

قولتله وانا بركب المكنة وبدورها :

_ ازاي يا عم مانا قولتلك على اللي فيها، حتى انت قولتلي ان اسمه ربيع وابنه اسمه مش عارف ايه كدا .

قالي وهو واقف مكانه :

_ لو على دول فتمام مافيش مشكلة، انا كنت خايف لتكون وقعت مع اللهم احفظنا يعني تاني غيرهم .

_ اللهم أحفظنا غيرهم .. يعني همااااا ….

قطع كلامي وقالي :

_ أيوة .. بس مش بيأذوا، مش بقولك قلبهم ابيض .

شكرته ودورت المكنة ومشيت فوراً .. رجعت بضهر المكنة لورا وعدلت نفسي عشان امشي، الشاب اللي كنت واقف معاه اللي معرفش أسمه ايه مشي .

كانت غلطة تانية عملتها لما بصيت على الباب الاخضر اللي كان على شمالي قبل ما امشي، لاني لقيت العين مرة تاني بتبص عليا من جوة ومبرألي !!!! .

مشيت بأقصى سرعة ومعملتش حساب لاي بني ادم ممكن اقابله وانا ماشي، كنت عامل زي الاعمى، مشيت وروحت البيت.

رواية “حُرمة أموات” للكاتب محمد إبراهيم.

مانا شوفت يوم صعب اوي، يوم خلاني اقعد في البيت اكتر من 4 أيام، 4 أيام الحمى مسكاني وطول الايام دي عمال اشوف كوابيس كتير .

من يومها مبقتش بشغل اغاني خالص مش بس وانا بقرب للمقابر ، مش عارف كان لازم يحصلي كدا عشان اتهد شوية وابطل العادة الغلط دي .

استفادوا من اللي حصلي وبلاش اغاني وانت قريب من اي مقابر، عربية بقى موتوسيكل، حتى لو ماشي لواحدك على رجلك وفي ودنك سماعات، او لو سايق توك توك زي حلاتي .

الافضل تقول (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دار قوم مؤمنون .. انتم السابقون ونحن بإذن الله بكم لاحقون) .. بعدها تقرأ الفاتحة وتدعي بالرحمة لجميع الاموات .

ربنا يرحم امواتنا جميعاً وربنا يغفر لنا ذنوبنا يارب .

ومتنسوش، كل بيت وليه حُرمة، وفي المقابر برضو في حاجة اسمها (حُرمة أموات).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock