روايات وقصص

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي.

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي:

اليوم الثلاثاء من اول أسبوع في شهر أغسطس، عقدت العزم ان اسافر اليوم لبيع الميراث الذي تركه ابي، خمسه افدنه ومنزل في قريته التي لا تربطني بها أي رابطه تذكر.. أصيبت أمي بمرض عضال جعلها تتمني الموت كل يوم عشرات المرات.. كل يوم يموت من جسدها جزء جديد، من بضعه أشهر فقدت امي القدرة على الحركة، واليوم عينها لا تري بها..
تحتاج الى اجراء عمليه في عينها بأسرع وقت حتى لا تصاب بالعمي الكامل.
في صباح هذا اليوم لاحت لي فكره ان ابيع ميراث ابي في البلد.. الي متي اتركه؟ ولمن اتركه؟ ابي لم يكن له سوي أخ وحيد هو عمي منصور، كان ابي دائماً يقول عنه انه طماع، وعاق لوالديه، اذكر انه قال لي (جدك مات وهو غضبان عليه)، ليس هذا وقت تذكر مثل هذا الكلام.. لابد ان أجهز نفسي لمقابلته، فانا لم اراه من يوم تشيع جنازة ابي منذ سبع سنوات، لم أري وجهه ولا وجهه ابنه فؤاد المريض النفسي الذي كان يعذب الحيوانات ويتلذذ بقتلها ويعتبرها وسيله للضحك والتسلية.. لكني مجبر ان اسافر وأري هذه الوجوه البغيضة الى قلبي.. لم يرسل لي عمي منصور ولا مليم من ايجار الخمسه افدنه دائما يقول: (الأرض تصرف أكثر مما تكسب!) ليس هناك أسواء من هذه الظروف حتى أؤجل البيع الي وقت اخر. على الأقل سوف أستطيع ان ادخل امي مستشفى لتنال الرعاية الصحية التي تستحقها..
ركبت القطار حاملا معي شنطتي التي لا تفارقني، فور وصولي البلد توجهت الى منزل عمي منصور، فتحت لي الباب ابنه عمي (ذات المحاسن) هذا اسمها وليس وصفها.. فانا لم اري أي محاسن حتى هذه اللحظة، ربما لاحقا سوف تظهر لها محاسن، مازالت لم تتجاوز السادسة عشر، ابتسمت في وجهي يبدوا انها مازالت تذكرني.. كانت اخر مره رأيتها فيها منذ ما يقرب التسع سنوات، كان عمرها وقتها لا يتعدى السنوات السبع، مازالت طفله في ملامح وجهها وفى تفاصيل جسدها. استقبلني عمي وزوجته بترحاب لم أكن متوقعه…! يبدوا أنى كنت سيئ الظن بهذه العائلة، اعتقد أنى تأثرت ببعض ذكريات تعكس حقيقة هذه الأسرة الجميلة… اثناء تناول وجبه الغداء بداء عمي وزوجته الحديث عن ذات المحاسن وبدأت استمع إليهم وانا ابتسم واهز رأسي وملامح وجهي يملؤها الغباء. بدأوا في عد مميزات ذات المحاسن في الطبخ والنظافة والتربية والأخلاق والقيام لصلاه الفجر كل يوم وان من سوف يتزوجها سيكون من سعداء الحظ المعدودون على أصابع اليد الواحدة. فهي كنز ثمين لمن يتزوج منها، وبعد الغداء اردت ان افتح موضوع سبب الزيارة واني لست قادم للزواج بل لدي ما هو اهم من ذلك لم يترك لي الفرصة لا هو ولا زوجنه والبنت البلهاء تجلس امامي تتفحصني بمنتهي الجراءة وتنظر لي نظرات لا تليق بمن هم في مثل سنها، اشعلت السيجارة الرابعة لي وانا اهز راسي وابتسم حتى ينتهوا… لكن هناك عرض أكثر اغراء تم طرحه الان …

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي:

من سوف يتزوج من بنتي ذات المحاسن سوف اجهز له الشقة كامله من (الإبرة الى الصاروخ) بأحدث اجهزه وأغلى الأسعار وأفخم الماركات، ليس هذا فقط بل هناك عرض اخر لا يعوض ويصلح لي تماما فانا عاطل واعتقد هذا العرض يناسبني أكثر من العروض السابقة … من سوف يتزوج ابنتي سوف اتوسط له للحصول على وظيفة مرموقة عند اخي وصديقي دياب بيك عضوا مجلس الشعب عن دائرتنا فهو عشره عمر ولا يرفض لي أي طلب. الامر واضح ومفضوح منذ البداية فأنا ابلغ من العمر الثلاثون عاما فهمت قصدهم من البداية ولكني تظاهرت بالغباء … كان نفسي اصرخ في وجههم وأقول انا قادم اليكم لبيع ميراث ابي الذي تضعون يدكم عليه منذ وفاه ابي وليس من اجل انا اتزوج بنتكم، تعمدت ان اتظاهر بالغباء حتى اخر لحظه وتمنيت لها الخير مع من يستحقها وأنها مثل البدر ليله كماله، وستجد ألف من يستحقها والبنت تنظر لي وتبتسم ابتسامه بلهاء، أخيرا
قررت رمي القنبلة وأخبرهم عن سبب قدومي الحقيقي…
– انا جي يا عمي عشان ابيع نصيب بابا في البيت والأرض الزراعية..
الامر اشبهه بما كان يحدث قديما بعد سماع دوي صفارات الإنذار التي كانت تعوي عند حدوث غارات جوية أيام العدوان، كان الناس يطفئون الانوار ويذهبون الى المخابئ ويلتزمون الصمت لحين انتهاء الغارة..
عمي وزوجته ينظرون لبعض ولا ينطقون باي كلمه.. والبنت البلهاء قامت وهي تنفخ..، تنظر لي بطرف عينها نظره بها من الازدراء والاحتقار الكثير كأني (وعدتها بالزواج وخليت بيها كما يقولون)

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي:

كان لابد ان اقطع هذا الصمت المتعمد من عمي وزوجته:
– قولت ايه يا عمي في الكلام ده انا محتاج ابيع الميراث بتاع بابا في أسرع وقت، انا بقالي فتره بدور على شغل وامي مريضه وتحتاج لأجراء جراحه عاجله في أسرع وقت…
بداء ينظر في اتجاه السقف تارة واتجاه الأرض تارة أخرى، ويتحاشى النظر في عيني وهو يتكلم:
=: اه وماله يا ابني ده حقك طبعا.. بس انا مكنتش عامل حسابي، عموما لو مستعجل ممكن نكلم السمسار يشوف زبون…
– بصراحة انا مستعجل جدا زي ما قولت لحضرتك ولو في زبون دلوقتي انا مستعد ابيع حالا
= لا اصبر شويه البيع مش بالسهولة دي، نكلم السمسار الأول وبعد كده نشوف السعر اللي هيعرضه علينا … خسارة تبيع مال ابوك بثمن بخس انت عارف الأسعار ارتفعت جدا …
– خلاص يلا نقابل السمسار دلوقتي او هات رقمه وانا اتصل عليه
= بكره الصبح.. (الصباح رباح يا ولدي) …
– حاضر يا عمي
في صباح اليوم التالي قابلنا السمسار ووعدني انه سوف يدبر لي مشتري في أسرع وقت، تركت له رقم الهاتف، وقررت العودة الى القاهرة. الا ان عمي أصر إصراراً غير عادي على ضرورة الرجوع الي بيته وان ذات المحاسن هي من جهزت الغداء بنفسها وهتزعل مني لو سافرت بدون ان اودعها…! محاسن ايه وبتاع ايه… انا عاوز اطمئن على امي تركت جارتنا معها ولا يصح ان اتركها أكثر من هذا، اضطريت ارجع معاه عشان الشنطة بتاعتى اللي سايبها عنده في البيت.. الى الان كان في قمة السهولة والمرونة معي فلا داعي لتعكير صفو العلاقة بيننا بسبب وجبه غداء.. البنت لم تكن موجوه في البيت شكلها (رمت طوبتي) فهي تبحث عن عريس ولا وقت لديها لتضيعه مع ابن عم ليس في نيته الزواج، بعد الغداء فتح عمي موضوع بيع الميراث وعرض ان يشتري بنفس السعر الذي قدره السمسار..
= انا كنت عاوز اشوف السمسار هيتمن البيع بكام عشان ما اظلمك يا بن أخويا، النهارده هنجهز العقود والفلوس هتكون معاك بإذن الله..

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي:

انا كنت طاير من الفرح وفضلت اشكر عمي وندمت واحتقرت نفسي الأمارة بالسوء على سوء ظني في عمي الراجل المحترم، بالفعل كتبنا العقود واستلمت الفلوس كامله، شكرت عمي على حسن الضيافة وتمنيت له الصحة والعافية.. اصر على ضرورة ان اذهب معه لزياره فؤاد ابنه اللي رجع من الخليج وبعدها نتعشي وقال انه هيكلم سواق ساكن جمبه عنده عربيه ملاكي يستخدمها في المشاوير الخاصة، بصراحه عجبتني فكره العربية الخاصة لان فيها امان اكثر بالنسبالى وبالنسبة لمبلغ كبير زي اللي معايا في الشنطة.. وافقت بعد ما اتصلنا على السواق وقال هيكون جاهز بالعربية على الساعة عشره مساء، فضل يكلمني عن فؤاد ابنه وانه اشتري قطعه ارض في اول البلد وبني عليها فيلا، واحنا ماشين في البلد دخلنا صلينا المغرب في مسجد الشيخ رضوان على اول المصرف، وعمي ماشي جمبي في البلد بكل ود وترحاب يسلم على الناس ويعرفهم عليا.. (ده ابن أخويا كمال الأستاذ محسن ساكن في مصر)، تكرر هذا التعريف أكثر من عشر مرات! الي ان وصلنا الى فيلا مساحتها حوالي خمسمائة متر يقف على بوابتها الحديدية ذلك المدعو بفؤاد نافخا صدره وواضع الفازلين على شعره وكرشه يسبقه بشبر على الأقل … كأنه كان يعلم اننا قادمون اليه! رغم ان عمي لما طلبت منه نتصل عليه قبل ما نروح قال مفيش أحسن من المفاجأة!
فؤاد قابلني بترحاب شديد…! انا استحق القتل على سوء ظني بالناس، انا اكيد كنت ظالم فؤاد طوال هذه السنوات، ان كان هناك من يستحق الاحتقار فهو انا بالتأكيد.. لأني اسأت الظن بهذه العائلة المحترمة الودودة، لابد ان اراجع نفسي في فكره الزواج من بنتهم ربما بعد عام او عامين تصبح امرأة مكتملة الأنوثة …
في تمام الساعة التاسعة مساء جاء شخص فتح له عمي الباب بترحاب شديد
= اتفضل يا أوسطي عصام ده ابن أخويا الأستاذ محسن اللي هتوصله مصر عاوزك تخلي بالك منه وتوصله لحد باب العمارة
غادرنا البلد في تمام العاشرة مساء بعد سلامات حاره ووعد بتكرار الزيارة، انطلق بي عصام بسيارته الفيرنا الحديثة التي اشتراها بالتقسيط للمشاوير الخاصة، بمجرد ان خرجنا من حدود القرية حتى دخلنا في عتمه كاحله، مصابيح الإنارة لا تعمل، والطريق غير ممهد، تحيط به الزراعات من الجانين … الأسطى عصام انار النور العالي للسيارة وهو يمشي ببطء وحذر
= امتي بقي الدولة تهتم بينا وتعملنا طريق زي باقي الطرق المحترمة الواحد قرف من الطريق ده العربية بتتبهدل ولسه عليها
أقساط
– معلش يا أسطي بكره كل حاجه هتبقى زي الفل لسه بقول فل.. لقيت اربعه رجاله ملثمين معهم اسلحه ناريه، يقطعون الطريق:
=: أقف واطلع من العربية والا هنضرب عليك نار! الأسطى عصام ركن العربية ونزل منها وانا لقيت الباب اتفتح وخرجوني من العربي.. قاموا بتغطية وجهي بكيس من القماش وتكتيفي من يدي بحبل غليظ:
= اللي فيكم هيعمل صوت هنضربه بالنار
فضلت انا والسواق متكتفين وقاعدين على الأرض.. لحد ما سمعت اذان الفجر الناس فكوني، جريت على العربية اطمن على الشنطة لقيتها مش موجودة! الشنطة اتسرقت..

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي:

طلعت على قسم الشرطة اعمل محضر، ضابط الشرطة سمع مني بالتفصل كل اللي حصل من ساعة ما دخلت البلد لحد ما اتسرقت …
=: انتظرني هنا وانا هطلع في حمله يمكن نلاقي قطاع الطريق او يكون في شهود اثبات.
انتظرت في القسم حوالي أربع ساعات..، وفاجأه دخل عليا ضابط المباحث وفى ايده الشنطة بتاعتى!
=: هي دي الشنطة بتاعتك؟
-: ايوه يا باشا
=: افتحها وأتأكد من الفلوس اللي جواها.
-: فتحت الشنطة بصيت على الفلوس! ايوه يا فندم الفلوس تمام زي ما حيطتهم
=: احنا وجدنا الشنطة في فيلا ابن عمك فؤاد وبجوارها أربع جثث لقطاع طريق مسجلين خطر، وبجوارهم جثة فؤاد، بالإضافة الى جثة عمك وزوجته، وبنته، جميعهم اموات وطبيب المعمل الجنائي ذكر في تقريره المبدئي ان الوفاة حدثت نتيجة لتعرضهم لشم غاز سام شديد السمية

“الميراث المسموم” قصه للكاتب عادل تقي:

نسيت اقولكم …انا كنت اشتغلت فتره مندوب مبيعات في شركه مبيدات حشريه وكنت ناسي جوه الشنطة علبه سم شديد المفعول يقتل بمجرد شمه..، وينتهي مفعوله في خلال ست ساعات اكتشفت وجودها ، وانا بحط الفلوس جوه الشنطة ولما حسيت ان عمي قاصد يأخرني لحد بالليل ، وطريقته في التعامل معايا مش طبيعية دخلت فتحت الشنطة ولبست كمامه ورشيت على الفلوس زجاجه السم كلها وقفلت الشنطة مكنتش هفتحها الا بعد ست ساعات لكن لو حد غدر بيا وسرقها يبقي هيموت اول ما يفتح الشنطة ويشم ريحه الغاز السام وما يلحق يلمس الفلوس وهو ده اللي حصل بالضبط كلهم ماتوا اول ما فتحوا الشنطة وقبل ما يوزعوا الفلوس عليهم ….
دلوقتي وانا بحكي ليكم القصة.. قاعد في فيلا محسن كمال (فؤاد منصور سابقا)، بشرب سيجاره وفنجان قهوة مضبوط، وبسمع اغنيه..
ولابد عن يوم معلوم تترد فيه المظالم … ابيض على كل مظلوم واسود على كل ظالم .
أنا الوريث الوحيد لعمي وابن عمي….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock